ابن عربي
207
فصوص الحكم
شيء عليم ( 1 ) فقد اعترف صلى الله عليه وسلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا ( 2 ) منه لكونه لا خبرة ( 3 ) له بذلك فإنه علم ذوق وتجربة ولم يتفرغ عليه السلام لعلم ذلك ، بل كان ( 4 ) شغله بالأهم فالأهم . فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه . وقوله « فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً » يريد الخلافة ، « وجَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ » يريد الرسالة : فما كل رسول خليفة . فالخليفة صاحب السيف والعزل والولاية . والرسول ليس كذلك : إنما عليه بلاغ ( 5 ) ما أُرسل به : فإن قاتل عليه وحماه بالسيف فذلك الخليفة الرسول . فكما أنه ما كل نبي رسول ، كذلك ما كل رسول خليفة - أي ما أُعْطِيَ الملك ولا التحكم فيه . وأما حكمة سؤال فرعون عن الماهية الإلهية فلم يَكن ( 6 ) عن جهل ، وإنما كان عن اختبار حتى يرى جوابه مع دعواه الرسالة عن ربه - وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم - فيستدل بجوابه على صدق دعواه . وسأل سؤال إيهام ( 7 ) من أجل الحاضرين حتى يعرِّفهم من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه في سؤاله : ف إذا أجابه جواب العلماء بالأمر أظهر فرعون - إبقاء لمنصبه - أن موسى ما أجابه على سؤاله ، فيتبين عند الحاضرين - لقصور فهمهم - أن فرعون أعلم من موسى . ولهذا لما قال له في الجواب ما ينبغي - وهو في الظاهر غير جواب ما سئل عنه ، وقد علم فرعون أنه لا يجيبه إلا بذلك - فقال لأصحابه « إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ » أي مستور عنه علم ما سألته عنه ، إذ لا يتصور أن يعلم أصلًا . فالسؤال صحيح ، فإن السؤال
--> ( 1 ) ا : محيطه ( 2 ) ا : دنياهم ( 3 ) ا : لا خبر ( 4 ) ا : كل ( 5 ) ب : البلاغ لما ( 6 ) ا : تكن ( 7 ) إبهام بالباء في المخطوطات الثلاثة ولكن جامي يقرؤها إيهام ويقول هكذا كانت في نسخة المؤلف . والمراد سؤال يوهم خلاف المقصود .